HEARTLAND OF CITIES
قلوب المدن
ربط علم الآثار والتراث
المدينة المقدسة نيبور
في الصحراء، على بُعد مئة ميل جنوب بغداد في العراق، يقع تل أثري ضخم يبلغ ارتفاعه نحو ستين قدمًا ويمتد لما يقارب عشرة كيلومترات مربعة . هذا هو موقع نيبور، مدينة الإله إنليل، التي وُصفت بأنها «حبل الربط» بين السماء والأرض، والتي كانت لآلاف السنين المركز الديني الرئيسي في بلاد الرافدين، حيث كان يُعتقد أن إنليل، الإله الأعلى في مجمع الآلهة السومرية، قد خلق البشر.
وعلى الرغم من أن نيبور لم تكن يومًا عاصمة سياسية، إلا أنها تمتعت بأهمية دينية كبيرة، إذ كانت تمنح الشرعية للحكم الملكي في بلاد الرافدين. ولذلك أصبحت مركزًا للحج وميدانًا لمشاريع البناء التي قام بها عشرات الملوك، من بينهم أور-نمو ملك أور، وحمورابي ملك بابل، وآشور بانيبال ملك آشور. وعلى الرغم من الحروب التي شهدتها مناطق مختلفة من بلاد الرافدين، فقد حمت الطبيعة الدينية لنيبور المدينة من الدمار الذي أصاب مدنًا مثل أور ونينوى وبابل. وبفضل ذلك، تحتفظ نيبور بسجل أثري فريد يمتد لأكثر من 6000 عام.
استُوطنت نيبور حوالي عام 5000 قبل الميلاد، ولعبت دورًا مهمًا في نشوء أقدم حضارة في العالم. وكانت المدينة، بما ضمّته من معابد ومبانٍ حكومية ومؤسسات عائلية مهمة، على الأرجح أكثر معرفة بالكتابة من غيرها من المدن، حيث ترك الكتبة آلاف النصوص بالسومرية والأكدية مكتوبة على ألواح طينية. وتشمل هذه النصوص أقدم نسخ من الأعمال الأدبية، مثل ملحمة جلجامش وقصة الخلق، إلى جانب سجلات إدارية وقانونية وطبية وتجارية ونصوص مدرسية.
وغالبًا ما تكشف اللقى الأثرية عن جوانب لم تُدوَّن في النصوص. فقد أتاحت القطع المصنوعة بعناية من المعادن الثمينة والأحجار والطين والأصداف إعادة بناء تطور الفن في بلاد الرافدين، وكذلك فهم شبكات التجارة الواسعة التي جلبت هذه المواد إلى بابل. كما وصلت إلى نيبور لقى من مصر وفارس ووادي السند واليونان. وحتى بعد اندماج الحضارة البابلية في إمبراطوريات أكبر، مثل الإمبراطورية الأخمينية الفارسية وإمبراطورية الإسكندر الأكبر، استمرت نيبور في الازدهار. وفي مرحلتها الأخيرة، قبل هجرها حوالي عام 800 ميلادي، كانت مدينة إسلامية نموذجية تضم أقليات من اليهود والمسيحيين، وكانت آنذاك مقر أسقف مسيحي، مما يدل على استمرار دورها الديني حتى بعد اندثار عبادة إنليل.
قام الباحثون الأمريكيون بدراسة نيبور منذ أكثر من مئة عام. ففي عام 1888، رعت جامعة بنسلفانيا أول بعثة أمريكية تعمل في بلاد الرافدين. وكان من بين أعضاء الفريق الدكتور روبرت ف. هاربر، الذي أسس لاحقًا دراسات الآشوريات في جامعة شيكاغو. عملت البعثة في نيبور حتى عام 1900، وعثرت على أكثر من 30,000 لوح مسماري ومئات القطع الأثرية الأخرى. وبدأ معهد دراسة الثقافات القديمة (ISAC) في جامعة شيكاغو حفرياته في نيبور عام 1948، وهو أطول مشروع تنقيب مستمر للمعهد في الشرق الأدنى. وبسبب محدودية التمويل في المواسم الأولى، اضطر مديرا الحفريات آنذاك، دونالد مككاون وريتشارد سي. هاينز، إلى العمل وكأن كل موسم هو الأخير، فتركزت الجهود على الحي الديني الذي تستمد منه نيبور أهميتها التاريخية. وأسفرت الحفريات الطبقية في ثلاثة مجمعات معبدية ومنازل خاصة عن اكتشاف آلاف الألواح الإضافية، إضافة إلى وضع تسلسلين أثريين أصبحا معيارًا لدراسة بلاد الرافدين لفترة طويلة.
شهد موسم 1972 نهجًا جديدًا في دراسة نيبور، حيث التزم مدير الحفريات الجديد، ماكغواير غيبسون، ببرنامج طويل الأمد للتنقيب في كامل المدينة. وانتقل التركيز إلى التل الغربي، وهو حي سكني وإداري لم يُدرس منذ عام 1900، بهدف تقديم صورة أكثر توازنًا عن المدينة، التي لم تكن مقدسة فحسب، بل كانت أيضًا مركزًا حضريًا نابضًا بالحياة.
وشملت الحفريات عدة مواسم في منازل الخبازين وقصر وسلسلة من المعابد في التل الغربي. وفي السنوات الأخيرة، ركزت البعثة على المنطقة المنخفضة في الزاوية الجنوبية من الموقع، حيث لم تُجرَ حفريات من قبل. وتم الكشف هناك عن منازل ومبانٍ عامة كبيرة وأجزاء من أسوار المدينة تعود إلى فترات مختلفة. ومن بين النتائج المهمة تأكيد المعلومات الواردة في مخطط فريد للمدينة منقوش على لوح طيني يعود إلى نحو عام 1250 قبل الميلاد. كما أُجريت دراسات في مواقع متعددة، منها سور المدينة شرق الزقورة وتل إسلامي صغير خارج الدفاعات. وأسفرت أعمال السبعينيات والثمانينيات عن آلاف القطع الأثرية، مثل البرونزيات والحُلي والأختام الأسطوانية والألواح الطينية، إلى جانب كميات كبيرة من الفخار، ساعدت دراستها في تصحيح التسلسلات الأثرية وتحديد وظائف مناطق وغرف داخل المباني.
تعاملت البعثة مع نيبور كمختبر أثري للإجابة عن أسئلة متعددة حول الحياة القديمة، حيث جُمعت البيانات من اللقى الأثرية والنصوص المكتوبة مع العينات الطبيعية. وتم تحليل العظام والبذور وحبوب اللقاح والتربة لإعادة بناء البيئة القديمة وعلاقتها بسكان المدينة. وفي عام 1972، كانت بعثة نيبور أول بعثة تضم مختصًا في علم التربة وتستخدم تقنيات التعويم لاستخراج البذور في موقع تاريخي في بلاد الرافدين. كما كانت رائدة في استخدام الحاسوب لرسم الخرائط وتسجيل البيانات. وأُسندت مناطق تنقيب لطلاب متقدمين استخدموا نتائجها في إعداد أطروحات الدكتوراه، مما ساهم في تدريب جيل جديد من علماء آثار بلاد الرافدين.
استئناف العمل في نيبور
استؤنف العمل الأثري والبحثي في نيبور من قبل معهد ISAC في أبريل 2019 بعد توقف دام نحو ثلاثة عقود. وبعد تقاعد ماكغواير غيبسون عام 2018، عُيّن عباس علي زاده مديرًا للبعثة الأثرية، وتتولى حاليًا أوغستا مكماهون إدارة المشروع. وخلال فترة التوقف، كانت جميع مناطق التنقيب السابقة قد أُعيد طمرها، كما تعرض بيت البعثة للنهب وسُرقت جميع الأدوات والأثاث.
https://isac.uchicago.edu/research/nippur-expedition






