HEARTLAND OF CITIES
ربط علم الآثار والتراث
قلوب المدن
What did cities look like 4,500 years ago?
كيف كانت تبدو المدن قبل 4500 عام؟
الماء يعني الحياة والخطر، ولكن من دون ماء لا توجد حياة.
العديد من المواقع الأثرية في محافظة الديوانية لا تبدو مثيرة للإعجاب اليوم. فهي مجرد تلال منخفضة من الطين وشظايا الفخار في وسط مناطق نائية. ومع ذلك، كانت هذه الأماكن في العصور القديمة مدنًا نابضة بالحياة، يعيش فيها ما يصل إلى 50,000 نسمة.
ماذا حدث منذ ذلك الحين؟ ولماذا تقع هذه التلال اليوم في سهوب جافة؟
الإجابة بسيطة: لقد غيّر نهر الفرات مجراه ولم يعد يمر بجانب المدينة كما كان في السابق. لا ماء، لا حياة.
هذا ما حدث لمدينة شروباك، التي كانت واحدة من أكبر مدن بلاد سومر بين 3000 و2000 قبل الميلاد. واليوم تقع فارة على بُعد عدة كيلومترات من أقرب مجرى مائي، وعلى مسافة نحو 30 كم جنوب مدينة عفك.
كان الماء عاملًا أساسيًا في ازدهار المدن الكبرى في السهل الرسوبي لجنوب بلاد الرافدين، لكنه كان أيضًا مصدر خطر. وحتى اليوم، يصعب الوصول إلى التل بعد هطول الأمطار. ومن المحتمل أن الموقع تعرّض في العصور القديمة لفيضانات مرة واحدة أو أكثر، إذ إن أسطورة الطوفان السومرية ترتبط بمدينة شروباك.
التنقيبات المبكرة في فارة/شروباك، اثبتت انه موقع رئيسي يعند لعصر فجر السلالات
كان تل فارة مدينة مزدهرة تُعرف باسم شروباك في الألف الثالث قبل الميلاد. وهي موطن بطل الطوفان أوتنابشتم، المعروف أيضًا باسم زيوسودرا، ومقر آخر سلالة «قبل الطوفان» بحسب قائمة الملوك السومرية.
في عامي 1902–1903، أُجريت أولى التنقيبات على يد بعثة ألمانية (الجمعية الشرقية الألمانية) بقيادة روبرت كولديفاي ووالتر أندراي، وهما من أشهر منقّبي بابل وآشور. جرت هذه التنقيبات في ظروف صعبة، في منطقة قبلية مضطربة وتحت حرارة الصيف القاسية في بلاد الرافدين. ومع ذلك، أصبحت هذه الحفريات لاحقًا أسطورية، إذ تحوّلت فارة إلى موقع رئيسي لفهم مدن «السلالات السومرية الأولى».
في عام 1902، تم لأول مرة دراسة البنية الحضرية لمدينة سومرية بشكل منهجي باستخدام أفضل الأساليب المتاحة آنذاك: خندق كبير قطع الموقع من الجنوب الغربي إلى الشمال الشرقي، إضافة إلى 20 خندقًا بعرض 3 أمتار وطول يصل إلى 900 متر ممتدة من الغرب إلى الشرق. ولا تزال آثار هذه الخنادق مرئية اليوم كخطوط طويلة على سطح الأرض.
كشفت الحفريات المبكرة عن بقايا عدة منازل تعود إلى عصر فجر السلالات ، وتم توسيع بعض الخنادق لتصبح مناطق تنقيب. وعُثر داخل هذه المنازل على أدوات وأسلحة وأوانٍ فخارية عديدة، مما يعكس الحياة اليومية للسكان الذين كانوا مزارعين وصيادين وتجارًا وحرفيين.
وكانت المفاجأة الكبرى اكتشاف نحو 900 لوح مسماري، وهي أقدم نصوص مسمارية مفهومة تم العثور عليها. ونظرًا لأهميتها، أُطلق على الفترة بين 2600 و2500 قبل الميلاد اسم «فترة فارة»، والتي تُعرف اليوم غالبًا باسم ED IIIa.
إعطاء الأمل للمواقع العراقية المنهوبة: متضررة ولكن لم تُفقد نهائيًا
خلال الفترة الصعبة التي أعقبت عام 2003، تعرّض موقع فارة لعمليات نهب واسعة من قبل حفّارين غير شرعيين. وتغطي آلاف الحفر سطح التل اليوم، وكان الاعتقاد السائد أن الموقع قد فُقد للأبحاث المستقبلية.
ومع ذلك، استأنف فريق عراقي–ألماني العمل في عام 2016، على أمل أن لا يكون التل قد دُمّر بالكامل. بدأ العمل بمسوحات سطحية منهجية ودراسات جيوفيزيائية، كما أُجريت حفريات تجريبية محدودة في بعض المناطق. وتشير النتائج إلى إمكانية تحقيق نتائج جيدة حتى في المواقع المتضررة بشدة، إذا استُخدمت الأساليب المناسبة وطُرحت الأسئلة الصحيحة.
وقد وفّرت الدراسات الأولية دلائل مهمة على البنية الحضرية، حيث أمكن تحديد عدد من الوحدات السكنية الكبيرة والصغيرة، ومناطق الإنتاج والمخازن داخل المدينة التي تبلغ مساحتها نحو 250 هكتارًا. وتحيط بالمدينة أسوار كبيرة، وتتخللها قنوات مائية وتحيط بها موانئ. كما يقع مبنى كبير، يُحتمل أنه معبد الإلهة سُد، في مركز المدينة. وتهدف المواسم القادمة إلى دراسة البنية الحضرية بشكل أدق، بما في ذلك تخطيط المدينة والأنشطة البشرية فيها، وكذلك المجتمع والاقتصاد والإدارة.
لماذا هناك حاجة إلى أبحاث جديدة في فارة
في الألف الثالث قبل الميلاد، يُعتقد أن غالبية سكان سومر عاشوا في مدن كبيرة، كما تشير النصوص والمسوحات. ومع ذلك، يقدّم تل فارة فرصة فريدة لدراسة مدينة من العصر السلالي المبكر (حوالي 2700–2500 قبل الميلاد) بشكل شامل باستخدام أحدث الأساليب الأثرية والعلمية.
تقع البنية الحضرية لمدينة شروباك القديمة مباشرة على السطح دون تغطية بطبقات لاحقة، مما يتيح إجراء دراسات واسعة باستخدام أساليب غير تدخلية مثل الجيوفيزياء والاستشعار عن بُعد، إضافة إلى التخطيط الدقيق للحفريات المحدودة.
ويمكن ربط النتائج مباشرة بتاريخ المدينة ومجتمعها واقتصادها، والتي أصبحت معروفة بشكل جيد نسبيًا بفضل أكثر من 800 نص مسماري تم اكتشافها في حفريات 1902–1903.
وبهذه الطريقة، من المؤمل أن تصبح فارة نموذجًا لمدينة من العصر السلالي المبكر، وأن توفّر معلومات مفصلة عن كيفية عيش الناس في بلاد الرافدين قبل 4500 عام.
النص بقلم البروفيسورة أديلهيد أوتو، جامعة لودفيغ ماكسيميليان في ميونخ.
https://www.en.vorderas-archaeologie.uni-muenchen.de/research/fara-fieldwork/index.html
https://www.en.vorderas-archaeologie.uni-muenchen.de/research/fara/index.html




















